الرئيسية | مقالات | أمير المؤمنين(عليه السلام) في لحظاته الأخيرة / الجزء الثاني

أمير المؤمنين(عليه السلام) في لحظاته الأخيرة / الجزء الثاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عدد المشاهدات : 240
أمير المؤمنين(عليه السلام) في لحظاته الأخيرة / الجزء الثاني

عبود مزهر الكرخي

والآن لنأتي إلى وصية أمير المؤمنين(ع)والتي أوصى بها ولديه الحسنين في لحظاته الأخيرة والتي تمثل وثيقة إنسانية مهمة تستحق أن توثق في مبادئ حقوق الإنسان ويعتمدها العالم كله حالها حال الرسالة التي كتبها الأمام علي(ع) إلى عامله مالك الأشتر في مصر حول مبادئ الحكم والتعامل مع الرعية والتي باعتقادي المتواضع أن هذه الوصية هي وثيقة حقوقية مهمة تخص حقوق الإنسان والذين على المعنيين في مجال حقوق الإنسان من الأكاديميين نشرها وتوثيقها في المنظمات الخاصة في هذا المجال.
                                  الوصية الأولى
                                   يرأف بقاتله
ثم إن بعض أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) قبضوا على ابن ملجم وساقوه إلى موضع للإمام فقال له الحسن (عليه السلام): (( هذا عدو الله وعدوك ابن ملجم قد أمكن الله منه وقد حضر بين يديك ))، ففتح أمير المؤمنين (عليه السلام) عينية ونظر إليه وهو مكتوف وسيفه معلق في عنقه ، فقال له بضعف وانكسار وصوت رأفة ورحمة: (( يا هذا لقد جئت عظيماً وخطباً جسيماً أبئس الإمام كنت لك حتى جازيتني بهذا الجزاء )) ، ثم التفت (عليه السلام) إلى ولده الحسن (عليه السلام) وقال له: (( إرفق يا ولدي بأسيرك وارحمه وأحسن إليه وأشفق عليه ، ألا ترى إلى عينيه قد طارتا في أمّ رأسه ، وقلبه يرجف خوفاً ورعبØ
 �ً وفزعاً )) ، فقال له الحسن (عليه السلام): (( يا أباه قد قتلك هذا اللعين الفاجر وأفجعنا فيك وأنت تأمرنا بالرفق به ؟! )) فقال له: (( نعم يا بني نحن أهل بيت لا نزداد على الذنب إلينا إلاّ كرماً وعفواً، والرحمة والشفقة من شيمتنا لا من شيمته ، بحقي عليك فأطعمه يا بني مما تأكله ، واسقه مما تشرب ، ولا تقيد له قدماً ، ولا تغل له يداً ، فإن أنامتّ فاقتص منه بأن تقتله وتضربه ضربة واحدة ، ولا تمثل بالرجل فإني سمعت جدك رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور ، وإن عشت فأنا أولى بالعفو عنه ، وأنا أعلم بما أفعل به ، فإن عفوت فنحن أهل بيت لا
  نزداد على المذنب إلينا إلاّ عفواً وكرماً )).(1)
هذه الكلمات التي أوصى بها وصي رسول الله الإنسانية هي أبلغ وصف ودليل واضح على رحمة ديننا الإسلامي وهذه هي سياسة الأمام علي(ع) في الحكم والتي تمزج بين الحكم الرحيم والعدل وهذا ما يشير إليه المرجع الأعلى السيد صادق الشيرازي إذ يقول " فهي سياسة قائمة على الرحمة والعدل تلك هي سياسة قادة الإسلام العظام، قوامها العدل، وهيكلها الإنصاف، وفعلها غنى الإنسان وكرامته، وطريقها المساواة، وعنوانها الأكبر (الإنسانية)، فأين منها سياسة اليوم الفقيرة لهذه القيم العظيمة في أصولها وفروعها، كما تنوِّه بذلك رؤية المرجع الشيرازي في نص قوله...
(إنّ السياسة الإسلامية تبايِن السياسة العالميةـ اليوم وتختلف عنها في أصولها وفروعها، فالسياسة الإسلامية هي غير السياسة المعاصرة التي تمارسها الدول تماماً، وذلك: لأن الإسلام يتبع في سياسته مزيجاً من: الإدارة والعدل، والحب الشامل، وحفظ كرامة الإنسان، وحقن الدماء. فهو يسعى في أن لا تراق قطرة دم بغير حق، أو تهان كرامة شخص واحد جوراً، أو يظلم إنسان واحد.. بل وحتى حيوان.(2)
وكان الأمام علي (عليه السلام) يقول لعبد الرحمن بن ملجم: أنت قاتلي وكان يكرر عليه هذا البيت:
أريد حياته ويريد قتلي*** عذيرك من خليلك من مراد
فيقول لـه ابن ملجم: يا أمير المؤمنين إذا عرفت ذلك مني فاقتلني.
فيقول له: إنه لا يحل ذلك أن أقتل رجلاً قبل أن يفعل بي شيئاً.
فسمعت الشيعة ذلك، فوثب مالك الأشتر، والحارث بن الأعور، وغيرهما من الشيعة، فجردوا سيوفهم وقالوا: يا أمير المؤمنين من هذا… الذي تخاطبه بمثل هذا الخطاب مراراً وأنت إمامنا وولينا، وابن عم نبينا، فمرنا بقتله؟.
فقال لهم: اغمدوا سيوفكم، وبارك الله فيكم، ولا تشقوا عصا هذه الأمة… أترون أني أقتل رجلاً لم يصنع بي شيئاً؟.(3)
فهذه هي فلسفة الإسلام القائمة على العدل والإنسانية وهي تمثل فلسفة الحكم وسياستها في الدولة الإسلامية فهو يعرف قاتله وما سوف يفعل به ولكن الأمام علي(ع) يقول
إنها فلسفة العدل والإنسانية..«أترون أني أقتل رجلاً لم يصنع بي شيئاً». فالإسلام والمنطق الذي يسير به ويجسده أمير المؤمنين لا يقوم على القاعدة التي يسير عليها السياسيون في العالم في وقتنا الحالي ولا حتى في الزمن الماضي وهو قانون(الغاية تبرر الوسيلة) مطلقاً..
بل هناك قانون يسير عليه الإسلام والذي جسده نبينا الأكرم محمد(ص) ومن بعده وصيه الأمام علي(ع) وأئمتنا الأطهار من بعده وهو«لا يطاع الله من حيث يعصى».وليس مثل ما يحصل الآن من الأعيب السياسيين وخصوصاً في بلدنا ومن قبل أناس يدعون التدين ومعميين ويصفون السياسة بأنها فن الممكن وأنها لا تسير في خط مستقيم وتتطلب حتى التحالف مع الشيطان من أجل ذلك ليتبعون القانون الميكافيلي(الغاية تبرر الوسيلة) وهذا كله يخالف سنة نبينا الأكرم(ص) ونهج أمير المؤمنين(ع) والإسلام كله وهم لا يتبعون السير الخالدة لأهل البيت بل هم أبعد ما يكونون عن ذلك.
وهذا مايشير إليه المرجع الأعلى السيد الشيرازي ومن نفس الكتاب حيث يقول (فالسياسة الإسلامية هي غير السياسة المعاصرة التي تمارسها معظم الدول تماماً ...أما السياسة ـ بمفهومها المعاصر ـ فهي القدرة على إدارة دفة الحكم وتسيير الناس والأخذ بالزمام مهما كلفت هذه الأمور من: إهدار كرامات.. وإراقة دماء.. وكبت حريات.. وابتزاز أموال.. وظلم وإجحاف.. ونحو ذلك، فمادام الحكم لـه والسلطة خاضعة لأمره ونهيه فهي الغاية المطلوبة وإنها لتبرر الواسطة، وإن كانت الواسطة إراقة دماء الألوف.. بل وحتى الملايين جوراً وظلماً.. هذا هو منطق السياسة التي تمارس في أغلب بلاد العالم الÙ
 �وم).(4)
                                    الوصية الثانية
                         ومن كلام له عليه السلام قبل موته
وصيّتي لكم أن لا تشركوا باللّه شيئا . و محمّد صلّى اللّه عليه و آله فلا تضيّعوا سنّته . أقيموا هذين العمودين و خلاكم ذمّ . أنا بالأمس صاحبكم ، و اليوم عبرة لكم ، و غدا مفارقكم . إن أبق فأنا وليّ دمي ، و إن أفن فالفناء ميعادي . و إن أعف فالعفو لي قربة و هو لكم حسنة ، فاعفوا « أَ لاَ تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ » . و اللّه ما فجئني من الموت وارد كرهته ، و لا طالع أنكرته . و ما كنت إلاّ كقارب ورد و طالب وجد « وَ مَا عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ ».(5)
وهنا لو دخلنا في معاني هذه الكلمات الخالدة- لأمير المؤمنين وهو يقولها في لحظاته الأخيرة لوجدنا مدى العمق الإنساني لهذه العبارات الاسمية فهو يقول :
( وصيتي لكم أن لا تشركوا باللّه شيئا ) . و كلمة شي ء هنا تفيد العموم و الشمول ، لأنها نكرة في سياق النفي . و المعنى لتكن جميع أقوالكم و أفعالكم خالصة لوجه اللّه ، و لا تخافوا أو ترجوا أحدا إلا اللّه ، و لا تستمسكوا إلا بحبله وحده لا شريك له .
( و محمد ( ص ) فلا تضيعوا سنته الخ ) . .  وهنا تركيز مهم على العمل بسنة الرسول الأعظم محمد(ص) وعدم ضياعها والأهم هو تحريفها فسنة النبي محمد(ص) هي سنة عمل وعبادة صحيحة لا هي رهبانية أو تصوف كما يحصل الآن بل وهي سنة قائمة على الأخوة والتعاون لا هي سنة طوائف ومذاهب وتفرقة ليصل إلى تكفير الطوائف بعضها لبعض وليصل إلى العنف والدم والقتل على المذهب والهوية وهو ما يحصل في وقتنا الحالي مما يرتكب من عنف دموي باسم الإسلام وسنة نبي الرحمة محمد(ص) ، وهو يضاف إليه دين حرية وكرامة لا دين عبودية واستسلام وإطاعة ولي الأمر حتى ولو كان عاصياً ولايطبق شرائع الله وأتباع شيوخ
  الجهلة من الطارئين على ديننا الحنيف والذين موجودين هم في كل وقت وزمان والذين يصدرون الفتاوي التي ما انزل لها من سلطان في سبيل أرضاء حاكمهم والتي تعني كسب رضا المخلوق بمعصية الخالق وهذا لا يمت إلى الشريعة الإسلامية بأي شكل من الأشكال.
 ويضيف ليقول( و خلاكم ذم )لا بأس عليكم و لا لوم إذا قمتم بواجب التوحيد و سنة الرسول.
و قال ابن أبي الحديد : « يرد الإمام بهذا على الذين كلفوا أنفسهم أمورا من النوافل شاقة جدا . . و هم يتلون قوله تعالى : يريد اللّه بكم اليسر و لا يريد بكم العسر . و قول الرسول الكريم : بعثت بالحنفية السهلة السمحة » . و نعطف على ذلك هذه الرواية : « دخل رسول اللّه يوما الى المسجد فرأى رجلا يتعبد الأوقات كلها فقال له : من يسعى عليك ؟ قال : أخي . فقال له النبي ( ص ) :أخوك أعبد منك ».(6)
ويضيف ويقول الأمام عي روحي له الفداء ( أنا بالأمس صاحبكم ) أدافع عنكم ، و أدبر أموركم ، و أهديكم سبيل الرشاد ( و اليوم عبرة لكم ) ملقى على فراش الموت لا أملك لنفسي نفعا و لا ضرا ( و غدا مفارقكم ) بلا رجعة إلى دار الفناء . وهنا يشير إلى ضرورة التمسك بالدين الإسلامي الحنيف وسنة نبينا الأكرم محمد(ص) ونهج الوصي وأئمتنا الأطهار(عليهم السلام) وعدم الانحراف هذا النهج القويم وليكن الموت هو عبرة لكم في أنه كلها ملاقيه الموت ولا يدوم إلا وجه الكريم وأنم لا تحيدوا عن النهج القويم الذي سنه لكم الرسول ألأعظم محمد(ص) ومن بعده خليفته الأمام علي(ع) لأنه سرعان ماستكونون Ù
 �هب لكل من هب ودب وعرضه للتخلي عن دينكم الحنيف ولقمة سائغة لكل طامع وهذا ما أشار إليه الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه حيث يقول {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}.(7)
وكان هذا الانقلاب واضحاً في التخلي عن رسالة الإسلام وسنة الرسول الأعظم محمد(ص) ونهج وصيه والعمل على هلاك ذرية أهل بيت النبوة وسفك دمائهم وملاحقتهم ولحد وقتنا الحاضر والدليل ما يجري من قتل وذبح للموالين من مذهب أهل البيت وقتلهم وبأبشع الطرق الوسائل منذ ذلك الحين ولحد الآن ولكن يختم هذه الآية الشريفة بقوله(وسيجزى الله الشاكرين) والجواب معروف لدى كل عارف وفاهم من هم هؤلاء الشاكرين.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال

قيّم هذا المقال

0