الرئيسية | مقالات | أمير المؤمنين(عليه السلام) بحر الجود والإنسانية / الجزء الأول

أمير المؤمنين(عليه السلام) بحر الجود والإنسانية / الجزء الأول

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عدد المشاهدات : 168
أمير المؤمنين(عليه السلام) بحر الجود والإنسانية / الجزء الأول

عبود مزهر الكرخي

في إحدى ليالي شهر رمضان لعام أربعين للهجرة، وهي ليلة التاسع عشر منه جاءت ابنة أمير المؤمنين أم كلثوم وقدمت إليه عند إفطاره طبقاً فيه قرصان من خبز الشعير وقصعة فيها لبن وملح خشن ، فلما فرغ من صلاته أقبل على فطوره ، فلما نظر إليه وتأمله حرّك رأسه وبكى بكاءً شديداً عالياً، وقال: (( يا بنية ما ظننت أنّ بنتاً تسوء أباها كما قد أسأتِ أنت إليّ )) ، قالت: وماذا يا أباه ؟ قال: (( يا بنيّة أتقدمين إلى أبيك إدامين في طبقٍ واحدٍ ؟ أتريدين أن يطول وقوفي غداً بين يدي الله عزّ وجلّ يوم القيامة أنا أريد أن أتّبع أخي وابن عمي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ما قدّم إلي
 ه إدامان في طبق واحد إلى أن قبضه الله ، يا بنية ما من رجل طاب مطعمه ومشربه وملبسه إلاّ طال وقوفه بين يدي الله عزّ وجلّ يوم القيامة ، يا بنية والله لا آكل شيئاً حتى ترفعي أحد الإدامين )) ، وهنا نشير هذا هو الزهد الذي كان يعيشه الأمام علي(ع) والكفاف بحيث كان لايقبل بتقديم نوعين من الطعام فأي زهد عن الدنيا وملذاتها كان يعيشه هذا الأمام العظيم في كل شيء وهو الذي طلق الدنيا ثلاث مرات فيقول { يَا دُنْيَا يَا دُنْيَا إِلَيْكِ عَنِّي أَ بِي تَعَرَّضْتِ أَمْ إِلَيَّ تَشَوَّفْتِ تَشَوَّقْتِ لاَ حَانَ حِينُكِ هَيْهَاتَ غُرِّي غَيْرِي لاَ حَاجَةَ لِي فِيكِ قَ
 دْ طَلَّقْتُكِ ثَلاَثاً لاَ رَجْعَةَ فِيهَا فَعَيْشُكِ قَصِيرٌ وَ خَطَرُكِ يَسِيرٌ وَ أَمَلُكِ حَقِيرٌ آهِ مِنْ قِلَّةِ اَلزَّادِ وَ طُولِ اَلطَّرِيقِ وَ بُعْدِ اَلسَّفَرِ}(1) وهناك الكثير من الذين يدعون أنهم يسيرون على نهج الأمام ويعملون بسيرته ولكن هم أبعد ما يكونون عن ذلك ويدعون أنهم يطبقون مقولاته ويتداولونها ويحفظونها عن ظهر قلب ولكنهم لايطبقون أي شيء من السيرة السامية والخالدة لسيدي ومولاي أمير المؤمنين  .
المهم نكمل ما تقدمنا. إليه فلما رفعته تقدم إلى الطعام فأكل قرصاً واحداً بالملح الخشن ، ثم حمد الله وأثنى عليه وقام إلى صلاته فصلى ولم يزل راكعاً وساجداً ومتضرعاً إلى الله سبحانه ، ويكثر الدخول والخروج وهو ينظر إلى السماء وهو قلق يتململ، ثم قرأ سورة (يس) حتى ختمها، ثم رقد هنيئة وانتبه مرعوباً، ونهض قائماً وهو يقول: (( اللهم بارك لنا في لقائك )) ويكثر من قول: (( لا حول ولا قوة إلاّ بالله العلي العظيم )) وكان (عليه السلام)  قد رأى في هذه الليلة رؤيا حدّثت بها ابنته أم كلثوم حيث قال لأولاده: (( إني رأيت الساعة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في منامي وهو يقوÙ
 „ لي: يا أبا الحسن إنك قادم إلينا عن قريب، يجيء إليك أشقاها فيخضب شيبتك من دم رأسك ، وأنا والله مشتاق إليك وانك عندنا في العشر الآخر من شهر رمضان)) .
 قال فلما سمعوا كلامه ضجّوا بالبكاء فأقسم عليهم بالسكوت , ثم أقبل يوصيهم ويأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر ثم صلى حتى ذهب بعض الليل , ولم يزل تلك الليلة قائماً وقاعداً وراكعاً وساجداً، ثم يخرج ساعة بعد ساعة يقلب طرفه في السماء وهو يقول: (( والله ما كذبت ولا كذبت ، وإنها الليلة التي وعدت بها )).(2)
                                      الجريمة .. والفوز بالشهادة :
وما أن لاح وقت الأذان حتى توضأ ونزل إلى الدار وكان في الدار أوز أهدي إلى الحسين (عليه السلام) ، فلما نزل خرجن وراءه ، ورفرفن وصحن في وجهه، وكان قبل تلك الليلة لم يصحن فقال (عليه السلام): (( لا إله إلاّ الله صوارخ تتبعها نوائح )).(3)
فلما وصل إلى الباب وعالجه ليفتحه تعلق الباب بمئزره حتى سقط فأخذه وشده وهو يقول:
  اشدد حيازيمك للموت فإن الموت لاقيكا  * * *  ولا تجزع من الموت إذا حلّ بناديكا
ولا تغتر بالدهر وان كان يواتيكا  * * *  كما أضحكك الدهر كذاك الدهر يبكيكا.(4)
ثم قال: (( اللهم بارك لنا في الموت ، اللهم بارك لي في لقائك)) , وسار أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى دخل المسجد، والقناديل قد خمد ضوؤها، فصلى في المسجد وحده , وكان في المسجد ثلاثة رجال أحدهم اللعين ابن ملجم قاتل الإمام أما الآخران فهما شبيب بن بحيرة ووردان بن مجالد ، فلما أذّن  (عليه السلام) ونزل من المئذنة جعل يسبح الله ويقدسه ويكبره واتجه إلى محرابه وقام يصلي فتحرك إذ ذاك ابن ملجم وقف بإزاء الاسطوانة التي كان الإمام (عليه السلام) يصلي عليها، فأمهله حتى صلى الركعة الأولى وركع وسجد السجدة الأولى منها ورفع رأسه ، فعند ذلك أخذ السيف، ثم ضربه على رأسه الشر
 يف ، فوقع الإمام (عليه السلام) على وجهه ولم يتأوه بل قال: (( بسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ))، ثم صاح وقال: (( قتلني ابن ملجم ، قتلني ابن اليهودية فزت ورب الكعبة ، فزت ورب الكعبة )) .
وأحاط الناس بأمير المؤمنين (عليه السلام) في محرابه وهو يشدّ الضربة ويأخذ التراب ويضعه عليها.(5)
وقد وقعت الضربة على مكان الضربة التي ضربه عمرو بن عبد ود العامري في واقعة الخندق، ثم أتم صلاته من جلوس؛ فجعل يشد الضربة ويضع التراب على رأسه وهو يقول: (مِنْـها خَلَقْنَاكُـمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)(6)، (هَذَا مَا وَعَدَنا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ).(7)
فاصطفقت أبواب الجامع، وضجت الملائكة في السماء وهبت ريح عاصفة سوداء مظلمة، ونادى جبرائيل بين السماء والأرض: تهدمت والله أركان الهدى، وانطمست والله نجوم السماء وأعلام التقى، وانفصمت والله العروة الوثقى، قتل ابن عم المصطفى، قتل الوصي المجتبى، قتل علي المرتضى، قتل سيد الأوصياء، قتله أشقى الأشقياء.(8)
ويبدو أنه نسي هذا المجرم أبن ملجم وكل المبغضين لأمير المؤمين(ع) حديث نبينا الأكرم محمد(ص) عن أمير المؤمنين (ع)وفي خطبة النبي (ص) في فضل شهر رمضان ، فقال (ع) : فقمتُ فقلتُ : "يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر ؟.. فقال (ص) :
يا أبا الحسن !.. أفضل الأعمال في هذا الشهر : الورع عن محارم الله عز وجل ، ثم بكى ، فقلت : يارسول الله ما يبكيك ؟.. فقال :
يا عليّ !.. أبكي لما يُستحل منك في هذا الشهر ، كأنّي بك وأنت تصلي لربك وقد انبعث أشقى الأولين والآخرين - شقيق عاقر ناقة ثمود - فضربك ضربةً على قرْنك فخضّب منها لحيتك .
قال أميرالمؤمنين (ع) : فقلت : يا رسول الله !.. وذلك في سلامة من ديني ؟.. فقال (ص) : في سلامة من دينك ، ثم قال (ص) :
يا عليّ !.. من قتلك فقد قتلني ، ومن أبغضك فقد أبغضني ، ومن سبّك فقد سبّني ، لأنك مني كنفسي ، روحك من روحي وطينتك من طينتي ، إن الله تبارك وتعالى خلقني وإياك واصطفاني وإياك ، واختارني للنبوة واختارك للإمامة ، فمن أنكر إمامتك فقد أنكر نبوتي.
يا عليّ !..أنت وصيي وأبو ولدي ، وزوج ابنتي ، وخليفتي على أمّتي في حياتي وبعد موتي ، أمرُك أمري ، ونهيك نهيي ، أقسم بالذي بعثني بالنبوة وجعلني خيرالبرية !.. إنك لحجة الله على خلقه ، وأمينه على سرّه ، وخليفته على عباده ".(9)
هذا موجز ليوم استشهاد أمير المؤمنين(ع) والذي اهتزت له السماوات والأرضون السبع وغضب الرحمن لهذا الأمر الجلل ، والذي قال ابن عباس عن هذا اليوم: (لقد قتل أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه بالكوفة فأمطرت السماء ثلاثة أيام دما).
وعن سعيد بن المسيب أنه لما قبض أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه لم يرفع من وجه الأرض حجر إلا وجد تحته دم عبيط.
لنأتي في جزئنا القادم للتحدث عن وصية الأمام علي إلى ولديه الحسنين إن شاء الله إن كان لنا في العمر بقية.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال

قيّم هذا المقال

0