الرئيسية | الثــــقافية | عبدالجبار الرفاعي يعيد موضعة الدين في مجاله الاخلاقي - الروحي

عبدالجبار الرفاعي يعيد موضعة الدين في مجاله الاخلاقي - الروحي

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عدد المشاهدات : 2031
عبدالجبار الرفاعي يعيد موضعة الدين في مجاله الاخلاقي - الروحي

ابراهيم العبادي


 
منذ نهايات القرن التاسع عشر لم تنقطع الكتابة ولم يتوقف التفكير في دور الدين في حياة المسلمين ، وهل انه سبب انحطاطهم وتخلفهم؟ ام العكس تماما اي ان  تواري الدين عن ان يكون محور التشريع والتفكير والتنظيم السياسي والثقافي والاداري، وحلول ثقافة جديدة متعارضة مع الدين وذبول التفكير الديني 
هو السبب في هذا الانحطاط والتدهور!؟ على خلفية هذا الجدل وتلك التساؤلات دار محور النشاط السياسي والفكري بين ساع الى الموائمة بين العلم والدين واظهار عدم تعارض الاسلام مع العلم، كما فعل المسلم الهندي السير احمد خان، او ساع الى تنشيط دور الرابطة الاسلامية كجامعة لوحدة المسلمين ورافعة لجهود نهضتهم كما نشط من اجل ذلك السيد جمال الدين الافغاني وتلميذه الشيخ محمد عبدة، قبل ان ينفصل عنه، ويتبنى منهج التربية والتعليم، كمحور لحل مشاكل التخلف والضعف وسيادة الجهل والخرافة.
بعد ذلك وجدنا علماء نابهين يحاولون استجلاء صورة الدين الاسلامي وتنزيهه مما علق به من توظيف سياسي واجتماعي، انتهى به الى مناصرة الاستبداد، ورفض التجدد، وظهور معارضة في قبول الكشوفات العلمية والنظريات المعرفية. كما فعل السيد هبة الدين الشهرستاني، والميرزا محمد حسين النائيني.. وعشرات غيرهما، كما تابعهم الدكتور فهمي جدعان في رسالته  "اسس التقدم عند مفكري الاسلام". 
في عشرينات القرن العشرينات ومع صدور الكتاب الجدالي المهم للشيخ علي عبدالرازق "الاسلام واصول الحكم" في عام ١٩٢٥ اي بعد عام او اكثر من  الغاء نظام الخلافة العثماني وتاسيس الجمهورية التركية بنظام علماني، يقطع في الكثير من انظمته وقوانينه ورؤيته مما تعارف عليه الناس، وماارتكزت عليه الثقافة العامة للمسلمين،  جاء اجتهاد الشيخ الازهري علي عبدالرازق، ومارافقه من ردود فعل عنيفة، بمثابة صدمة بين فكر ينحو الى شمولية راسخة تعتقد انها مؤصلة، وتدافع عن تمامية الاسلام، وبين فكر تنزيهي نقدي يدعو الى استئناف النظر في الكثير من المقولات السائدة والراسخة، ذات الاستقرار في البنية الثقافية العامة، وكان من جملة الردود على الغاء نظام السلطنة العثماني تاسيس  جمعية الشبان المسلمين في مصر الخديوية، بدفع رسمي لمنح السلطة شرعية دينية  تبعها بسنوات ١٩٢٧تاسيس جماعة الاخوان المسلمين، بشعار الاسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة. ومالبث ان انتشر هذا الشعار، وهذا النمط من التفكير الديني في الاسلام الحديث في ارجاء واسعة من بلاد المسلمين.
 في حين كان الشيخ ابو الأعلى المودودي في الهند يخط مؤلفاته عن الدستور الاسلامي، وحاكمية الاسلام، ويشدد على التناقض الجوهري المفضي الى الكفر، حينما يتبنى مسلم نظاما للسياسة والادارة لاينتمي الى الفكر الاسلامي، كما سطرته ادبيات فقه الحكومة السلطانية الاسلامي، منذ الماوردي وابي يعلى الفراء  الى ابن تيمية الحراني، وكان ابن تيمية هو الملهم الأهم للمقولات المحورية في كتابات المودودي وما استلهمه سيد قطب لاحقاً.
وبموازاة ذلك الظهور القوي لجماعات ماعرف لاحقا بالاسلام السياسي، كان الفيلسوف الهندي المسلم محمد اقبال يجوب الحواضر الهندية الاسلامية مبشرا بفكر تجديدي للاسلام، لاينحو منحى سياسيا، بل يركز على الامتلاء الروحي والتعالي الاخلاقي والسمو الوجداني واثراء الروح، ويدعو الى اخذ العلم الحديث كعنصر موازي في بناء شخصية المسلم، دون اقتحام المنطقة الخطرة في التفكير السائد، وهي موقف الاسلام من السياسة والادارة والحكم، وهي التي دارت عليها رحى النشاط السياسي والدعوي، والصراعات الايديولوجية والفكرية والحزبية، وحركت مناخ التجاذبات السياسية في منطقتنا.
ايضا كانت التساؤلات على اشدها بشان مساحة حضور الديني في المجال السياسي، بين من يرى ألا فصل بين الدين والسياسة، وبين رافض لهذا الدمج بين مجالين لكل واحد منهما مساراته الخاصة، كان تيار الوعي الاسلامي يصر على ان شرط النهوض والتنمية والاستقلال السياسي والثقافي، وقدرة المسلمين على بناء الدولة الناجحة والعادلة والرشيدة، متوقف على سيادة المنهج الاسلامي في كل المجالات، وان الاستقلال الثقافي والاقتصادي والعلمي والمعرفي منوط بالقطيعة المعرفية مع ذلك الفكر والنظريات والرؤى والاجتهادات الاسلامية. هكذا كان الانقسام الفكري والايديولوجي يتعمق كل يوم في بلاد المسلمين، والقطيعة النفسية والثقافية تتجذر بموقف صراعي عنيف، استغلته قوى حاكمة لتبطش بمعارضيها، ولتسود اجواء من القتال المجتمعي والتنكيل المسلح العنيف افضى الى خواء اجتماعي، وانهيارات اقتصادية، وتراجع خدماتي، وتخلف علمي، وتمدد الفقر، والامية، واتساع الفجوة المعرفية مع الحضارة المعاصرة، وخسارة اغلب المعارك الوطنية والقومية، وشيوع ظاهرة الحروب الاهلية، والانقسام المذهبي والقومي، وتدهور السلم الاهلي، وظهور ردود الفعل المناوئة لما يسمى بظاهرة الاحياء الاسلامي او الصحوة الاسلامية، التي انتهت بظهور تنظيمات الارهاب ذات الانتماء للفضاء الاسلامي، والتي اعلنت حرب التكفير ضد جميع من لايتبنى فكرها الاحادي، ومنهجها المنغلق، وسلوكها المتوحش، وعدوانيتها المستفزة للفطرة الانسانية.
في التحليل الاخير لاتمثل الظاهرة الارهابية إلاّ حالة انتحار اسلامي داخلي، يشي بعجز كبير عن مغادرة القراءة الاحادية واللاتاريخية للنصوص الاسلامية، وجمود عقلي كبير، واستلاب معرفي ماضوي، بشكل اطاح بمقولات تيارات الاسلام السياسي التي ترفع شعارات: الاسلام هو الحل، وصلاحية الاسلام لكل زمان ومكان، وشموله لكل شيء في الحياة.. وظهر ان الاسلام عاجز عن ان يحقق تلك المقولات عمليا، وان يحقق للمسلمين كأمة وجماعات وافرادا سلاما داخليا واطمئنانا روحيا، ويمنع عنهم فتن مهولة، توسعت لتصبح داءا يهدد السلام العالمي والحضارة المعاصرة، ولتظهر الدين وكأنه سلاح دمار شامل، لايتقيد بعرف، او قانون بشري، او قيم انسانية كونية.
في الرصد الدقيق بدات تتمظهر ظواهر: الالحاد، والعدمية، والخواء الروحي، وانطلق نقاش معمق عن دور الدين في حياة المسلمين، اذا كانت تجلياته السياسية والصحوية افضت الى هذا الدمار الواسع،  وتفشي موائد الذبح، وولائم التوحش والانحطاط، المتعدد الاشكال.
تبدو الحاجة ملحة الى فكر نقدي، ومراجعات فكرية جادة، وصراحة جريئة، للبحث عن الجذور الفكرية والمعرفية والسياسية لهذه الظواهر المتعارضة، والتي ترجع الى السوأل الذي أثرناه حول مدى مسؤولية الفكر الشمولي ومقولاته الطوباوية، الذي تفشى في عالم الاسلام، في كل هذا الذي حصل ويحصل في عالم الاسلام والعالم؟ والى  اي مدى ساهم اقحام الدين في  مجالات غير مجالاته الاصلية في ظهور هذه الظواهر غير القابلة للسيطرة؟ وهل كان تسيس الدين او تديين السياسة هي العوامل الفاعلة في المآلات الدامية التي نعيشها؟ وماهي القراءة العقلانية الناجعة للدين والايمان، التي بامكانها ان تعالج مشكلات العولمة، ومرحلة مابعد الحداثة الغربية التي اقصت الدين، وانتقصت من شان الايمان، وانتجت وأولدت كل ردات الفعل الدامية، التي حملت شعار الدفاع عن المقدس وسمو المقدسات، حتى اضحى القتل والانتحار باسم الله مقدسا، يستقطب الآلاف، ويقود نحو الهاوية؟
في ظل هذا الجدل الواسع الذي يحتدم في الساحة الثقافية تاتي مساهمات الدكتور عبدالجبار الرفاعي لتقدم زادا معرفيا دينيا مهما في لحظة تاريخية خطيرة، وهي مساهمات تمثل خلاصة تجارب روحية شخصية، وحوارات فكرية معمقة، ورحلة تكوين معرفي طويلة، انفتحت على قراءات واعية للموروث الاسلامي بمدارسه المتعددة، والفكر العالمي، وماانتجته عقول مفكرين مسلمين، بدأوا يستانفون النظر في الكثير من المفاهيم والمقولات الدينية الشائعة.
الدكتور الرفاعي صدم الأوساط الثقافية بمنجز فكري كبير، متحررا من قيود تاريخه الشخصي، ومجال اشتغالاته البحثية والمهنية، متبنيا منهج تفكيك المقولات القارة في قعر التفكير الاسلامي السائد، عندما اصدر كتابا جريئا بعنوان: "الدين والظمأ الانطولوجي". مااقدم عليه عبدالجبار الرفاعي، وهو يقدم الطبعة الثانية للكتاب في غضون مدة أقل من عام واحد، يجعلنا نحتفي بمادة حوار وبحث ومسائلة جادة وعميقة، لما استقر في اذهان الغالبية الساحقة من المسلمين عن: الجوهري والفاعل والمقصود من رسالة الدين في حياة الانسان، وبين مساحاته وحدوده المفترضة.
ان التعاطي مع هذه المقولات والافكار من شانه ان يحرك الكثير من المياه الراكدة، ويستانف النقاش في مآلات التفكير الديني وتجلياته الراهنة، بما ينتظم  ضمن سلسلة طويلة من التفكير في الدين ودوره في حياة الانسان، حيث الجدل الصاخب بين ناكر لهذا الدور، ومتجاوز لحاجات الانسان وظمئه الوجودي للمقدس وللايمان وللدين، وبين متوسع في هذا الدور، لدرجة ادخل الايمان والدين في مجالات غير مجالاته المفترضة، ماحمل الدين وظيفة استخدمت كاداة للصراع ولنفي الآخر، والحط من كرامته، واشاع الكراهية والعنف والقتل المقدس. وذلك ما اختصره عبدالجبار الرفاعي بقوله: "‫يضفي الدين دلالات روحية ورمزية على العالم، تشعر الانسان بالانتماء اليه، وتخفض اغترابه الوجودي، وتروي تعطشه للمقدس. لكن اخراج الدين من حقله، وعدم رسم حدوده، والعبث بوظيفته، لا يضيع دلالاته ويبددها فقط، بل يطيح بوظيفته، ويجعلها تنقلب إلى الضد منها".‬ 

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (0 منشور)

المجموع: | عرض:

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال

قيّم هذا المقال

0