الرئيسية | خالدون | الشهيدة ميسون الاسدي زوجة الشهيد الدكتور حسام حميد حسن الصريفي الرفاعي الجزء الثاني

الشهيدة ميسون الاسدي زوجة الشهيد الدكتور حسام حميد حسن الصريفي الرفاعي الجزء الثاني

حجم الخط: Decrease font Enlarge font
عدد المشاهدات : 2165
الشهيدة ميسون الاسدي  زوجة الشهيد الدكتور حسام حميد حسن الصريفي الرفاعي  الجزء الثاني

كانت عيون الرقيبات تنظر الى‏ ميسون متسمِّرة مُستغربة ! تُرى‏ لِمَ كُل هذه السعادة ولم يفصلها عن الموت إلّا سويعات ؟


موقف قاضم .. وصدر كاظم‏

 
إنتهى‏ التحقيق بعد أسبوعٍ من التعذيب ، حيث انهارت الخلية وكشفت عن كل ما يتعلّق بنشاطاتها وعملياتها الجهادية .. 
لذا أخذوا الأخوات (ميسون ، أنعام ، إيمان) ونزلوا بهنَّ الى‏ الطابق الاسفل للمديرية العامة - القبو - حيث (الموقف) النسوي الذي التهَم أكثر من خمسين زينبية جاءوا بهنَّ من مختلف محافظات العراق بانتظار المحاكمة !  
على‏ هذا النحو أُغلق ملف التحقيق ، بَيْد أن الزينبيات الثلاث مكثن في (الموقف) قرابة خمسة شهور عجاف ، 
فالجلّاد مازال يأمل الامساك بخيطٍ جديد أو أسرارٍ أُخرى‏ تتعلَّق بملف القضية! 
قضت ميسون معظم أشهر (الموقف) بالصلاة والصوم والدعاء والتبتّل الى‏ الله .. لقد أظهرت صبراً واحتساباً يعجز عن وصفه البيان رُغم ان (الموقف) كان عبارة عن طامورة لايعرف المرء فيها الليل من النهار ، لاترى‏ أشعة الشمس ولم يدخلها النسيم ، وهذا وحدهُ يُحطّم نفسيّة الابطال ويزرع اليأس والجزع في قلوب الرجال .. لكن ميسون - تلك القارورة الصامدة - صبرت ولم تشتكِ أو تجزع أبداً .. كانت صدراً كاظماً على‏ الألم ونفساً سخيّةً بالتحدّي وشموخ الغاية ، شرت نفسها لله بيقينٍ راسخ هو عُصارة هذا الفيض من الصفاء والسخاء فاستجاب لها ربها (اني لا أُضيّع عمل عاملٍ منكم من ذَكرٍ أو أُنثى‏ بعضكم من بعض). 
- سورة آل عمران : 195 .  
تقول السجينة المظلومة الأُخت (أُم نجم) :  
- سامية غانم الفرطوسي ؛ زوجة الشهيد سهيل البطّاط .. إعتقلت عام 1983 م ، وفي عام 1984 م اعتقلت وحكمت عليها محكمة (الثورة) بالسجن (7) سنوات قضت بعضها في سجن الرشاد ببغداد .. أُطلق سراحها في عفو عام 1986 م .  
«في إحدى‏ ليالي الشهر العاشر من عام 1984 م وبينما كانت ميسون معنا في (موقف) مديرية الأمن العامة ببغداد لم تُحاكَم بعد ، رأيت في المنام ميسون وهي في ملابس العرس قد تمَّ زفافها الى‏ زوجي الشهيد سهيل البطاط (أبو نجم) .. إستيقظتُ وفي رأسي هاجس وقلق كبيرين على‏ مصير هذه الشابة الصغيرة .. وعند الصباح رويت الى‏ ميسون تلك الرؤية ، فقالت ؛ وما تفسير هذه الرؤية ؟ قلت : يعني ان المحكمة ستحكم عليك بالاعدام ! ما أن سمعت ميسون هذه الكلمات حتى‏ عانقتني مُبتسمة قائلة : بشَّركَ الله بالجنّة ياأُم نجم» . 
ذات يوم سمعت إحدى‏ السجينات اللاتي سبقنها الى‏ الموقف قد جزعت وكلّت ، جاءت اليها وهمست في أُذنها برقّةٍ طفولية وابتسامةٍ ملائكية : (أُختاه ، اصبري وقولي الحمد لله الذي شرّفنا بمقارعة هؤلاء الظالمين).  
لذا تجدها دائماً تُردِّد تلك العبارة الموجزة الكبيرة :  
)تصفية العمل خير من العمل ، وتخليص النيّة من الفساد أشد على‏ العاملين من طول الجهاد) .. 
فهي طيلة أشهر الحجز بالموقف كانت بمثابة البلسم الشافي والمحطة الهانئة للأخوات السجينات اللاتي ينزلن من غرفة التعذيب في الشعبة الخامسة وقد امتلأت أرواحهنَّ وأجسادهنَّ جِراحاً وجراحا .. 
فصوتها الهادى‏ء وأناشيدها العذبة كانت لحناً لحنايا قلوبهنَّ المتعبة .. كُنَّ يجدن في أحاديثها حرارةً وصدقاً عجيبين ، فضلاً عن تلك البسمة التي تشرق أبداً من ثغرها والبراءة التي تشع دوماً من روحها .  
 
إعدام الربيع ! 
لكن ذلك لم يدم طويلاً .. فقد آن الرحيل ! إنهُ موعد المحاكمة .. كان ذلك صباح يوم السبت 1984/10/30 م .  
لقد أقفل الجلّاد ملف القضيّة تماماً ورفعه الى‏ محكمة (الثورة) العسكرية الصورية بعد أن يئس من الحصول على‏ أية معلوماتٍ جديدة ، فهيكليّة الخلية كانت صغيرة ومحصّنة من التشعبات الجانبية ممّا جعل بقية الخطوط والخلايا الجهادية للمنظمة في أمانٍ تام من الضرر الذي لحق بالمجموعة المخترقة .  
وَجَمت وجوه السجينات واستعرت قلوبهن وهُنَّ يرين هذه الحورية الانيسة تغادر القاعة .. لقد غادر الكرى‏ أبصارهُنَّ واستولى‏ الحُزن على‏ أرواحهنَّ برحيل الربيع المؤنس عن قاعة الزمهرير والوحشة .. 
نقلوا ميسون ومَن معها الى‏ محكمة (الثورة) العسكرية بسيارة خاصة تحمل خلفها صندوقاً حديدياً مستطيلاً وكبيراً كأنهُ برّادٌ مُكيّفٌ ومخصّصٌ لنقل اللحوم المجمدة .. غير ان الحقيقة غير ذلك تماما ، فالصندوق كان عبارة عن سجنٍ سيّارٍ صغير ، في داخلة عشرة زنازين حديدية انفرادية متقابلة يفصلها مَمر ضيّق ، لكل زنزانة باب وقفل كبير ورقم .. 
وصلت المجموعة قبل الظهر ، أوقفوهم (رجالاً ونساءً) في القفص الحديدي للقاعة الكبيرة التي تشهد يومياً مسرحيات عديدة وسريعة بحق أبناء شعبنا المظلوم في العراق .. 
عقدت محكمة الباطل جلستها المشؤومة ليحكم المجرم اللواء (عوّاد محمد أمين البندر) وبدقائق معدودة على‏ الابطال :  
1 - السيد أحمد عباس وتوت .  
- فقدت عشيرة آل وتوت عشرات الشهداء في غرف التعذيب وفوق حبال (أبو غريب) وأمام رصاص عسكر المغول في إنتفاضة شعبان الغضب ، بالاضافة الى‏ عشرات المهاجرين بعيداً عن جحيم نظام البعثيين .. بَيْدَ أن حديقة السادة آل وتوت الغنّاء لا تخلو من الأعشاب ونبات الحنظل كالمجرم اللواء (علي هادي وتوت - البوجواد) قاضي محكمة (الثورة) العسكرية والذي تدرّج في سُلَّم الأجرام والأرتزاق حتى‏ وصل الى‏ منصب (محافظ كربلاء) ثم مات ليجد أمامه ما سفكت يداه من دماء الأبرياء .. وكالمجرم الضابط (ناجي وتوت) الذي قتل عام 1984م العديد من الجنود الأبرياء لا لذنبٍ سوى‏ امتناعهم عن القتال في الحرب الغاشمة على‏ الجمهورية الإسلامية الفتية والذي نال جزاءهُ العادل على‏ يد أخيه (السيد علاء وتوت) الذي رحل مظلوماً في ساحات إعدام سجن (أبو غريب) المركزي .. وكالمجرم البعثي (بهاء وتوت) الذي أنزل فيه مجاهدو الانتفاضة الشعبانية في الحلّة حُكم الإسلام والشعب ونفّذوا فيه الأعدام الفوري .. وهكذا غيرهم .  
لذا استأصلت العشيرة وبدماء شبابها المجاهد تلك الحروف السوداء من تاريخها ، فهم كانوا ومازالوا يجودون بالشهداء والمجاهدين وفاءً للعراق وللإسلام العزيز .. وإن ماسنذكره من أسماء كوكبةٍ من الشهداء ما هو إلّا قليلاً من كثير أعطت هذه العشيرة ، والعِبرة - كما يقولون - بالغالب لا بالنادر .  
1 - الشهيد السيد محمد حمّود حسن وتوت : مؤذِّن جامع (آل وتوت) - الذي هدّمه التتار في الانتفاضة الشعبانية السليبة - وكادر جهادي مخلص لحزب الدعوة الإسلامية .. استُشهد عام 1981 م .  
2 - الشهيد السيد مُصدَّق عبدالأمير وتوت : من الكادر المسؤول لحزب الدعوة الإسلامية .. استُشهد عام 1981م .  
3 - الشهيد السيد مُناف هاشم وتوت : استشهد عام 1981م لارتباطه الجهادي بالحركة الإسلامية .  
4 - الشهيد المهندس السيد أحمد عباس وتوت : أحد قادة التخطيط والتنفيذ لخلية جهادية تابعة للجناح العسكري لمنظمة العمل الإسلامي .. استشهد عام 1985م .  
5 - الشهيد السيد أمير علي وتوت : الذي قاتل ببسالة حتى‏ نفذت ذخيرته واستُشهد برصاص العسكر في انتفاضة شعبان عام 1991م .  
-6 الشهيد العميد السيد جعفر هادي وتوت : أحد قادة الانتفاضة الشعبانية في الحلّة عام 1991م - وهو أخ المجرم اللواء القاضي علي هادي وتوت - جُرح أثناء قصف طائرات الهليكوبتر فأمسك به البرابرة العسكر فقطعوا رأسه وأرسلوه الى‏ بغداد ! تمكنت عشيرته بعد ثلاثة أيام من دفن الجسد الطاهر بلا رأس .  
7 - الشهيد السيد سلمان جواد وتوت : استشهد في الانتفاضة الشعبانية عام 1991م .  
8 - الشهيد السيد محمد هاشم وتوت : استُشهد في الانتفاضة الشعبانية عام 1991م .  
9 - الشهيد السيد حيدر جواد حسن وتوت : استُشهد في الانتفاضة الشعبانية المباركة عام 1991م .  
10 - الشهيد السيد جعفر جواد حسن وتوت : هاجر - بعد الانتفاضة الشعبانية - مجاهداً الى‏ إيران ثم الى‏ سوريا ، عاد عام 1994م الى‏ الحلة مُستغلاً ما يسمى‏ ب (العفو) الذي أعلن عنه رأس النظام في بغداد بعد الانتفاضة الشعبانية .. استُشهد عام 1999م بسبب اشتراكه بالمظاهرة التي خرجت في الحلّة احتجاجاً على‏ اغتيال المرجع السيد محمد الصدر1 .  
بقي أن نقول أنهُ تم إعدام النقيب البحري السيد خالد مولى‏ وتوت رُغم عدم إلتزامه الديني .. نفّذوا فيه حُكم الاعدام رمياً بالرصاص عام 1981م لكراهيته وبغضه رأس النظام ، كما تم تنفيذ حكم الاعدام باللّواء السيد محمد حسن وتوت عام 1991م بالمحاويل بعد فشل الانتفاضة الشعبانية بالرغم من عدم مشاركته بل وبالرغم من استضافته في منزله كل من اللواء طالع الدوري والقادة الضباط معه الذين قمعوا الانتفاضة ، حيث تنالوا طعام الغذاء في بيته بالحلّة ظهراً ونفّذوا فيه حكم الاعدام في المحاويل مساءً وبأمرٍ فوريٍّ من رأس النظام وبمكيدة أكيدة من طالع الدوري .  
2 - حسام حميد .  
3 - ميسون غازي .  
4 - حسين هاشم مطلوب .  
5 - محمد الملّي .  
بالاعدام شنقاً حتى‏ الموت حسب المادة (156 - أ) من الدستور المؤقت لانتمائهم الى‏ الجناح العسكري للتنظيمات الاسلامية المحظورة ، ولقيامهم بنشاطات مسلّحة تمس أمن النظام في بغداد ولنقلهم معلومات عسكرية مهمة للقوات الإسلامية ولقوات فيلق بدر الظافر .  
وبالسجن المؤبد وحسب المادة (257) على‏ كلٍّ من :  
1 - أنعام حميد .  
2 - إيمان .  
لارتباطهنَّ ب التنظيمات الاسلامية المحظورة رُغم عدم اشتراكهن بأي جهادٍ مسلح أو نشاطٍ عسكريٍ ، وقد أُطلق سراحهن في عفو عام 1991م .  
- صدر قرار العفو الأحد 1991/7/21 م ، الموافق (9 / محرم / 1412 ه ) .. أي بعد أشهر من الانتفاضة الشعبانية المباركة .  
وبالسجن على‏ بعض العسكريين المهندسين بأحكام مختلفة ، وقد خرجوا جميعاً عام 1991م .  
إستقبل الأبطال أحكام الاعدام بهاماتٍ شامخة ووجوهٍ مُستبشَرة .. كيفَ لا ، وهم من صنف الرجال الرجال .. 
أما ميسون ، فها هي مازالت السكينة مُخيّمة على‏ روحها والثقة طافحة على‏ مُحيّاها .. كانت تنظر الى‏ منصّة الحكم التي جلس عندها ثلاثة فراعنة صغار بملابسهم العسكرية المُثقلة بأوسمة الذل ، وهي رابطة الجأش أبيّة ، صامتة .. وللصمت حديث يعرفهُ العشّاق فقط ..  
لذا فهي حينما سمعت بحكم الإعدام الصادر بحقها ، استبشرت خيراً ولم تُبالي ، وكأنهم قد حكموا بالاعدام على‏ شي‏ءٍ قد زهدت بهِ منذ أمدٍ بعيد !  
تم بعد الظهر نقل كل من (ميسون ، أنعام ، إيمان) بسيارة مسلحة الى‏ سجن (الرشاد - القسم السياسي الثالث) شرق العاصمة بغداد ، أما الرجال فقد تم نقلهم الى‏ مدينة السجون (سجن أبو غريب المركزي - الاقسام المغلقة) ينتظرون أحكام الاعدام الجائرة .  
 
خيط رجاء .. ومَنيّة حمراء !  
وهكذا عصفت بأهل ميسون الآلام وأصابهم سهم الأحزان ، لقد حدث ما كانوا يتوقعون .. 
والدها الذي ذرّف على‏ الخمسين ما انفك يقضي ساعاتٍ من الليل والنهار بحثاً وتفتيشاً عن بصيص أملٍ أو خيط رجاءٍ يوصلهُ لمكان اختفاء ابنته وحبيته ، تراهُ هائماً كالمجنون لايُفرِّق بين ليل ونهار يبحث عن مَن يُجنِّب ابنته وفلذة كبده سهم المنيّة .. 
فهو منذ اليوم الأول لاعتقالها حتى‏ يوم وصولها سجن (الرشاد) يُفتِّش عنها ويعمل لأنقاذها .. يتنقّل بين مديريات (أمن) الكاظمية والعامة وبين سجون (الرشاد وأبو غريب) ، لايبخل بالهدايا والعطايا لكلِّ مَن يأتيه بكلمةٍ ولو خادعة عن مصير ابنته .. 
الأوباش يؤمِّلونه بألسنتهم ، بَيْد أنّهم كانوا وفي الوقت ذاته يُمزِّقون جسد ابنته بسياطهم .  
كانت روحهُ تستعر وقلبه يتلظّى‏ خوفاً على‏ مصير ابنته وشوقاً لها ، تجدهُ طيلة فترة البحث والأستقصاء عن خيط الرجاء يذرف بعينين دامعتين كأنهما غيوم مُمطرة .. كان يأمل النجاح في إنقاذها ، ولطالما كان يتشبّث بشبّاك ضريح باب الحوائج‏7 ، يدعو وينحب كالطفل الذي فقد أُمّه ، ولكن .. 
وإذا المنيّة أنشبت أظفارَها 
ألفيتَ كُلَ تميمةٍ لا تنفعُ‏ 
* * * 
بعد المحاكمة بأيام عرف الأب بِقرار الإعدام الظالم .. كانت الصدمة شديدة الوطأة عليه وعلى‏ أُمها وأخوتها.. إستسلم للأمر الواقع وصار يبحث هذه المرّة من جديد ، وبأي ثمن ، عمَّن يُخفِّف الحكم وينقذ ابنته من حبل المشنقة والإعدام ! 
لقد عرض مبلغاً كبيراً لاجل ذلك ، حتى‏ نجح في الوصول الى‏ اتفاق مع أحد خنازير وزارة الداخلية .. كان ضابطاً كبيراً اشترط (50) الفاً من الدنانير لأنقاذ ابنته من الإعدام وتغيير الحكم الى‏ المؤبّد .. وفعلاً تم دفع (25) الف دينار ، على‏ أن يُسدّد النصف المتبقي بعد إلغاء حكم الإعدام !!  
 
حمامة بيضاء في سجن الرشاد

 وصلت (ميسون) ومَن معها الى‏ سجن (الرشاد) عصر يومٍ شتائيٍّ قارص البرد من شهر تشرين الأول .. ففتحت مسؤولة أمن القسم الرقيبة (السجّانة مي) باب‏ - وصلت الشهيدة ميسون سجن (الرشاد) يوم الاثنين 1984/10/30 م .  
القسم الثالث لتدخل ثلاث فتيات كالأقمار .. 
طالعت الأخوات السجينات إثنتين من الغيد الحسان تتبعهم ثالثة .. حمائم يتألقن حيويةً وشباباً ، بَيْد أن التي في الوسط كانت أربطهُنَّ جأشاً وأشدّهُنَّ مراساً رُغم العباءة المتداعية والثياب البالية التي خرّقها نهش الكيبلات ولسع السياط ، والتي تُنبى‏ء الناظر بآثار التعذيب التي طُبِعت على‏ جسد هذه الفتاة الباسلة .. 
دخلت (ميسون) القسم السياسي رافعة الرأس تمشي على‏ هونٍ كأنها حورية هبطت من الجنة تشرق جمالاً وجلالاً .. كان على‏ وجهها سيماء العبادة والبراءة ، فلم يرها أحد إلّا وفاض حُزناً وألماً لمصيرها .. شغفت جميع الخمائل الخضراء في سجن (الرشاد) لرونقها وشموخها وترنّمنَ لبراءتها ونقائها إعجاباً وفخراً ، وتغلغلت في طيّات روح كل من رآها ، بل حتى‏ الرقيبات اللاتي قُدَّت قلوبهنَّ من الحجر الأصم - فضلاً عن سجينات الاقسام غير السياسية - تأمّلنها بشغفٍ وحُزن !! 
بَيْد أنها كانت لاتُبالي بما ينتظرها ، بل وكأن أمراً مؤنساً كان ينتظرها !  
أودعتها الرقيبة في غُرفةٍ ذات سريرٍ واحد من غُرف المحكومات بالإعدام .  
- يحوي القسم السياسي الثالث على‏ عدّة غرف صغيرة مخصّصة للمحكومات بالاعدام ، أُطلق عليها ب (القسم السياسي الثاني.(  
تقول إحدى‏ الأخوات السجينات اللاتي كنَّ مع (ميسون) في القسم الثالث: 
- الأُخت الفاضلة (أم إيمان العبّاسي) :  
«الشهيدة ميسون من عائلة مُسالمة بعيدة عن الجهاد ، وهم أصحاب مال وثراء .. حاول والدها أن يُثنيها عن الإرتباط بالشهيد الدكتور حسام بسبب الطريق الصعب الذي سلكه .. فكان يقول لها ؛ سوف أشتري لك سيارة خاصة بكِ وأُوفِّر لكِ كل ما تشتهين مقابل أن تكوني مثلنا ومعنا .. تمتّعي بالدنيا كباقي الفتيات ولا تحرمي نفسكِ من لذائِذها .. 
بَيْد أن (ميسون) اختارت طريقها عن وعيٍ وبصيرة ، فهي ترى‏ ان السعادة الحقيقية في حُكم الإسلام حيث انتشار العدل والصلاح في المجتمع .  
إعتُقلِت (ميسون) وعُذِّبت في مديرية (الامن العامة) ثم حُكِمت بالاعدام .. وفي عصر يوم من أيام عام 1984 م إنفتح باب سجن (الرشاد) فأطلّت منهُ شابتان يبدو عليهن الهدوء والاطمئنان .. كانت إحداهنَّ ذات جمال فاتن رُغم عباءتها القديمة وملابسها المُمَزّقة ..  
بعد الترحيب بهنَّ دار مع (ميسون) الحديث التالي :  
- أيتها الأُخت .. من أيّةِ محافظة جئتم ؟  
- أنا من بغداد (الكاظمية) ، وأدرس في جامعة بغداد - كلية الآداب .  
- عفواً ، أتسمحين لنا ببعض الاسئلة ؟  
أومأت بالموافقة الممتزجة مع تلك الابتسامة الساحرة وقالت :  
- نعم ، تفضلوا .  
- ما هي قضيتكِ ؟  
- أُلقي القبض عليَّ أنا وفتاة أُخرى‏ وأربعة رجال من بينهم خطيبي .  
- بأيّةِ تهمة ؟  
- كنّا قد اتفقنا على‏ عملية جهادية نستهدف منها زعزعة النظام الجائر الذي لا يعرف للدين أو الإنسانية معنىً .. وقبل أوان تنفيذ العملية طلب خطيبي أن نتزوج ، فقلت له ؛ ياعزيزي أن لكل فتاة (مهر) قبل الزواج ، ومهري هو تنفيذ هذه العملية بنجاح .. كانت تلك أُمنيتي التي رجوت تحقيقها ، سيّما وخطيبي شاب مجاهد يحب العمل في سبيل الله ..  
- وماهي العملية أُختاه ؟! 
لم توضَّح طبيعة العملية .. تكتّمت عليها ، إبتسمت واكتفت بالقول :  
- هي عملية الهدف منها كما قلت (تضعيف) وهزّ النظام الظالم .  
- وهل نفّذتم العملية ؟  
- نعم ، وافقني خطيبي في الرأي، وفعلاً تم والحمد لله تنفيذ العملية بنجاحٍ تام لولا شخص (مهندس) من نفس مجموعتنا ، كان مُندسّاً بيننا ! كنّا نعتقده مجاهداً .  
إنتابتنا الدهشة ووجمت عيوننا حُزناً شديداً ، بعدها سألناها عن اسم هذا الخائن المندس ؟ لكنها امتنعت وقالت:  
- ليس مهماً (الآن) معرفة اسمه .. المهم انهُ كشف سِرّنا ، فحُكِمَ عليَّ وعلى‏ خطيبي وبقيّة الرجال بالاعدام 
وتقول أُخت سجينة أُخرى‏ في رسالةٍ جوابيةٍ جاءتنا من المهجر السوري: 
- السجينة المجاهدة (مريم الشروفي) ؛ إحدى‏ القيادات النسوية في منظمة العمل الإسلامي ، وزينبية من أهالي كربلاء المقدسة ، جاهدت ضد نظام الجَور في بغداد فاعتُقِلت عام 1983م بتهمة الانتماء لمنظمة العمل الإسلامي وحَكمت محكمة (الثورة) العسكرية عليها بالسجن المؤبد حسب المادة (257) .. عاشت مع الشهيدة ميسون فترة مُعتقل (الرشاد) وحتى‏ مشهد التوديع صباح يوم الاعدام .. أُطلق سراحها بعد الانتفاضة الشعبانية المباركة في عفو عام 1991 م .  
«أودّ أن أعرب عن أن ذكرياتي متواضعة للغاية ، لان العتب على‏ الذاكرة ، حيث مُنِعَ منّا القلم والورق طيلة تلك السنين العِجاف الطوال في معتقل (الرشاد..( 
وبعد جهدٍ لترتيب وإعادة الذكريات ، أقول بتوفيق الله الذي أرجو أن يُسدِّدني لمزيد من المعلومات وبشكلٍ دقيق: 
جاءتنا الشهيدة ميسون غازي الكاظمي الى‏ سجن (الرشاد) عام 1984 م بصحبة الأُخت أنعام حميد (أُخت الشهيد حُسام من محافظة الناصرية) والأُخت إيمان)من محافظة الديوانية) ، والثلاث طالبات في كلية الآداب .  
محل سكن الشهيدة هو بغداد ، الكاظمية - علي الصالح .. كان والدها ثريّاً حيث استعد لدفع مبلغ كبير جداً (في ذلك الوقت نصف مليون دينار) لمسؤولي)الأمن) كي يتم تخفيض الحكم من الإعدام وفق المادة (156 - أ) الى‏ المؤبد وفق المادة (156 - ب) ، ولكن دون جدوى‏ !  
سبق مجي‏ء ميسون الى‏ سجن (الرشاد) العديد من الشهيدات أمثال الشهيدة الحاجّة (رجيحة) .. 
أخبرتنا الشهيدة أنهُ قد تم القبض عليها وعلى‏ خطيبها الدكتور حسام وعلى‏ عدد من الرجال بتهمة تفجير (...) في بغداد .. وكان يوجد معهم شخص مُندس لم تخبرنا باسمه .. لذا فقد تم الحكم على‏ المجموعة بالاعدام وفق المادة (156 - أ) في محكمة (مهزلة) صوريّة ..» .  
وفي رسالةٍ جوابيّةٍ قيّمة ، جاء فيها :  
«الشهيدة ميسون غازي الأسدي من مواليد بغداد - الكاظمية ، سكنة علي الصالح .. طالبة في كلية الآداب - جامعة بغداد ، والدها من أثرياء بغداد ، استعدَّ لدفع مبلغ نصف مليون دينار لتخفيف حكم الاعدام الى‏ المؤبد ولم يستطع ، بل لم يفلح حتى‏ في مواجهتها وهي في السجن .  
كان للشهيدة ميسون نشاط كبير في صفوف الطالبات كتوزيع الكتاب والمنشور الإسلامي الواعي ، لذا نراها قد نجحت في كسب الكثير من الطالبات ..  
إعتُقلت ميسون وبقية المجموعة في الشهر الرابع من عام 1984 م في قضية واحدة ، وقد شمل الاعتقال كُلّاً من الطالب في الجامعة التكنلوجية (السيد حسين هاشم مطلوب) والمهندس (محمد الملّي) والدكتور (حسام حميد) وأخته (أنعام حميد) والمهندس (السيد أحمد عباس وتوت) .  
وكان سبب الاعتقال هو نفوذ واختراق المجرم (رفيق كتاب علوان) الذي كان معتقلاً سابقاً عام 1982 م بتهمة التحرّك الديني ، حيث أُطلق سراحهُ وعمل وكيلاً للسلطة وتمكن فيما بعد من كسب ثقة الكثير من المؤمنين ومنهم المهندس السيد أحمد عباس وتوت ، وعبر السيد وتوت تعرَّف على‏ مجموعة العمل التي تضم الشهيد الدكتور حسام وخطيبته الشهيدة ميسون .  
إعتُقلِت المجموعة بتهمة معارضة السلطة الحاكمة والانتماء الى‏ الخلايا المسلّحة للتنظيمات الاسلامية المعارضة.. وتم إعدامهم رضوان الله عليهم وفق المادة 156 - أ» .  
* * * 
ظلّت ميسون في سجن (الرشاد) بضعة أشهرٍ قضتها في مرضاة الله ، فهي راضية بخاتمتها سعيدة بنهايتها .. كانت تستثمر جُلَّ وقتها وما تبقى‏ من أيام ربيعها في العبادة والتقرّب الى‏ الله ، تَملأ وقتها بالاستغراق في الصلاة والصوم وقراءة القرآن والدُعاء .  
أما في أوقات الفراغ المحدودة (الرخصة الشرعية) فهي تزور غرف الأخوات السجينات كالفراشة توزّع حُبَّها على‏ الجميع .. يكاد سنا نورها يُضي‏ء ممر وغُرف‏ - إعتادت الأخوات السجينات على‏ تسمية غرف القسم الثالث - وكذا القسم الرابع - بأسماء عفوية بريئة لاتمت للفئوية أو المناطقية بأيّةِ صلة ، فكانت غرف (الهندسة والبصرة والثورة والنجف والكوت) حيث النفوس - سيّما في تلك الظروف - تميل الى‏ المجالسة مع مَن يؤنسها بما هو قريب من ذكرياتها .. بَيْدَ ان ذلك لا يمنع من وجود سجينة من (الثورة) مثلاً قد اختارت غرفة الهندسة ، وهكذا .  

القسم .  
ولأنها تُحب الشعر وتميل الى‏ تأليف الأناشيد راحت تداوي جراح الصابرات ببلسم قصائدها وعذب أناشيدها للثورة الإسلامية وقائدها الإمام الخميني‏1 ولشهداء العراق وقائدهم الشهيد الصدر1 .  
هامت بها الأخوات في قسمي سياسيّة (الرشاد) أيَّ هيام ، لِما وجدن فيها من روحيّة نقيّة كالبلور وسريرة طاهرة كماء المطر ومُحيّا يغرق حياءاً لأقلّ ثناء ووجنتين تفيضان حمرةً لأدنى‏ مزاح ..  
حينما تناديها الأخوات تأتي منقادةً بكلمة (نعم) أو (حاضر) خجلة تتعثّر في سيرها ، وإذا تحدّثتْ معها إحداهُنَّ أحنت رأسها احتراماً وأخفضت جفنيها انصاتاً .. أما إذا أرادت هي أن تطلب حاجةً مألوفةً تجدها تقترب وتهمس بحياء .  
لذا فهي عندما كانت تتمشّى‏ في الممر أو تتنقّل بين الغرف بذاك القوام الممشوق وبتلك الابتسامة الخلّابة ، كُنّا نُسرِّح أبصارنا بجمال طلعتها البهيّة ونستفز عقولنا بقيم روحها الأبيّة .. فرؤية وجهها الباسم - كانت بحق - تطرد عنّا عناء الغم والهم .  
ولأن ميسون لم تَحظ بأي مواجهة شهريّة مع أهلها بعكس مواجهات قسمي‏ - المواجهة الشهرية ؛ مصطلح مُتداوَل في عالم السجون والمعتقلات .. فهو يعني لسجينات القسم السياسي الرابع في سجن (الرشاد) زيارة الأهالي لهنَّ وجلب ما هو ضروري كالطعام والملابس وماشابه .. أما سجينات القسم السياسي الثالث (المؤبد) فالمواجهة لهنَّ تعني فقط السماح للأهالي بأيصال الطعام والملابس من خلال رقيبات السجن ومن دون زيارة ولقاء !  
وفي الحالتين يخضع العوائل - كما المواد - لتفتيش دقيق جداً لئلا تغفل عيونهم وأيديهم عن قلمٍ أو رسالة .. 
في إحدى‏ المرّات وبسبب الإنتظار الطويل تحت شمس تموز الحارقة قالت أُمٍّ عجوز لإحدى‏ الرقيبات اللاتي بالغن في تفتيش مواد المواجهة حيث بَعثرنَ الطعام والملابس وفتحنَ علب التنظيف وعبثن بالشاي والسكَّر :  
- لو كنتم مخلصين هكذا ضد اليهود لتحررت فلسطين منذ عقود .  
أجابتها الرقيبة سميرة زاجرة :  
- بلا كلام .. إنها أوامر الضابط المسؤول - وتقصد مدير السجن النقيب حسن العامري . 
وما كان من جواب الأم التي اتعبها الانتظار إلّا وقالت :  
- مسؤولكم هذا ، مسلم أم يهودي ؟  
وما أن أوصلت الرقيبة الحوار الى‏ المدير - سيّما وقد صارت كلمات تلك الأم موضع سخرية وتندّر السجينات ضده - حتى‏ قرّر الإنتقام فألغى‏ المواجهة مدة (6) أشهرٍ وجعل من (الرشاد) جحيماً لا يُطاق .  
المؤبّد والرشاد ، إنطلقت الأخوات بنشاطٍ مألوف وتنسيقٍ معروف لتوفير كل ما تحتاجه من ملابس جديدة وأقمشة بيضاء ، وبدأنَ بتوزيع الواجبات وحسب المهارات فكان على‏ البعض فِصال وخياطة الكفن (سروال أبيض طويل محكم النهايات وقميص أبيض طويل ومانتو) وعلى‏ البعض الآخر كتابة سورة يس ودعاء الجوشن والعديلة على‏ الكفن .. كُنَّ يرفضنَ أي مشاركة من ميسون وبأيِّ عمل ، - في عام 1980 م نفّذ النظام الجائر حكم الاعدام بإحدى‏ زينبيات (الرشاد) في سجن (أبو غريب) ، وكانت ترتدي - كالعادة - تحت ثيابها وعباءتها كفناً كُتب عليه سورة يس ودعاء الجوشن وما أن سحلوا جسدها الطاهر من منصّة المشنقة الى‏ إحدى‏ القاعات المجاورة لنقلها فيما بعد الى‏ الثلّاجة حتى‏ كُشِف عن الكفن وبان ما عليه من كتابة ، فهرع أحدهم مسرعاً الى‏ ضابط مفرزة الاعدام يخبرهُ بأن رسائل ومنشورات معادية للحزب والثورة قد كُتبت على‏ ثياب الفتاة لتصل الى‏ الحزب الذي كانت مرتبطة به !! وبعد فحصٍ وتدقيق ومن جهاتٍ عدّة عرفوا الحقيقة .  
ليوفِّرن لها الوقت الكافي للتفرُّغ للعبادة والوصال .  
وصادف أن عاد يوم(28 صفر) الشهر التالي لوصول ميسون .. إنّهُ يوم الحزن‏ - ذكرى‏ رحيل الرسول الأكرم‏9 كانت يوم الجمعة 28 - صفر - 1405 ه والتي وافقت يوم (24 - 11 – 1984) م.  
الأعظم ، يوم إرتحال الرسول الأكرم‏9 .. فقرّرت الأخوات إقامة مجلس عزاء - كالعادة - وتصدّت ميسون والمُلّة كلثوم وأُخت ثالثة للاشتراك في تأليف قصيدة بالمناسبة ، وكان في المقطع الذي سطّرتهُ أنامل ميسون شكوى‏ لصاحب الذكرى‏ من فرعون العراق وجور الزمان :  
عزائي فيكَ يانِعمَ الرسولُ‏ 
وذكراكَ التي ليست تزولُ‏ 
* * * 
وأشكو سيدي ظُلم الزمان  
وطاغٍ سامَ شعبي بالهوانِ‏ 
فبالأحزان دهري قد طواني‏ 
وبالحسراتِ دمعي قد كواني‏ 
فهاكَ اسمع بلائي يارسولُ‏ 
* * * 
أنا في أُمّةٍ فَنيَتْ عذابا 
وطالت محنتي والقلبُ ذابا 
ودمعي لم يَزَل جارٍ سكابا 
لِمَن شكوايَ أُبدي والعِتابا 
سِواك اليوم فاسمع يارسولُ‏ 
* * * 
تمر الأيام وميسون تنتظر خاتمتها وحُسن عاقبتها .. فهي تتشوّق لموعد تنفيذ الاعدام علّها ترى‏ حُسام ! كانت تحرص على‏ هذا الأمل وتقول : «متى‏ يحين يوم الإعدام لأفي بعهدي الى‏ حسام» .. 
تُرى‏ أيّ عهدٍ هذا الذي كانت ميسون تحرص على‏ الوفاء به ؟! 
 
تنهُّدات عاشق  
وفوق كل تلك الخصال والسمات كانت تغمر ميسون حالة من العشق الإلهي .. كُنّا نتعجّب كيف احتضنت هذه الفتاة الصغيرة كُل هذا العشق الكبير ؟! ولكن لا ، فرُبَّ صغيرٍ أجل من كبير .  
ترنّمت حنايا قلبها الوادع بعشق المعبود ، فتناسَت أيامها المعدودة التي تترقّب فيها طعنة الموت من سيوف البعث الغادرة .. لم يزدها التعذيب و(الموقف) و(الرشاد) إلّا صبابةً وولهاً ، كأنها حبيب هام عشقاً وذاب شوقاً «واجعل لساني بذكركَ لهجاً وقلبي بحُبِّكَ مُتيماً» ..  
- دُعاء كميل للإمام علي‏7 .  
تمر الساعات والليالي وميسون بين ركوع وسجود وتأمُّل حتى‏ يحين الفجر فتُحلِّق بها روحها الى‏ عالَم ملي‏ء بالشفّافية .. كانت حينما تفرغ من الصلاة ترفع يديها متضرِّعة الى‏ الله عزوعلا والدموع تجري كالمُزن كأنها قد اقترفت ذنباً لاغفران له ، كانت تقول : «إلهي أنتَ معبودي وأنتَ معشوقي ، اشتقت لجلال وجهك الكريم فاجعلني مِنَ الذين ترسَّخت أشجار الشوق اليكَ في حدائق صُدورِهم ، وأخذت لوعةُ محبَّتَك بمجامِع قُلوبِهم .. ما ألذَّ خواطِرَ الالهام بِذكركَ على‏ القلوبِ وما أحلى‏ المسيرَ اليكَ بالأوهامِ في مسالكِ الغُيوبِ ، وما أطيب طعمَ حُبِّكَ وما أعذبَ شِربَ قُربِكَ ، فأعِذنا من طردِكَ وإبعادِكَ برحمتكَ ومَنِّكَ ياأرحم الراحمين» .  
- الصحيفة السجادية .. من مناجات العارفين .  
وحين أوان الغروب حيث الأصوات هادئة والحركة هامدة ، كانت تخرج الى‏ الشبكة مُرسلة عينيها الى‏ آفاق الغيب تتأمل النجوم كأنها تبحث عن شي‏ء .. 
- الشبكة : مساحة من الأرض الفارغة أمام القسم ، محاطة بسورٍ عال .  
نقلت لي الأخوات اللاتي بجوار غرفتها أنهنَّ كثيراً ما يجدنها وقت السحر واقفة أمام تلك النافذة الصغيرة تناجي الحبيب ، تدعوهُ وتهمس معهُ :  
فليتك تحلو والحياة مريرةٌ 
وليتكَ ترضى‏ والأنامُ غضابُ‏ 
وليتَ الذي بيني وبينكَ عامرٌ 
وبيني وبين العالمين خرابُ‏ 
إنها تنهُّدات عاشقة هامت روحها في تسابيح المعبود ، فذابت في مسالك العاشقين .  
تقول السجينة المجاهدة (أم إيمان العبّاسي) :  
«بقيت الشهيدة ميسون معنا في القسم الثالث من سجن (الرشاد) قرابة الشهرين ، قضتهما بالصلاة والصوم .. كثيراً ما كانت تتأمل السماء وكأنها على‏ موعدٍ تتحرق لقربه .. أتذكَّر في احد المرّات وأثناء ماكانت واقفة تتأمّل ، سألتها :  
- ميسون .. تُرى‏ ماذا تتأملين ؟! 
أجابتني دون أن تلتفت إلي :  
- اني أسأل نفسي ؛ متى‏ أُعدم لاعبد الله أكثر ولاقترب منهُ أكثر .  
فتمتمتُ مع نفسي ؛ سبحان الله ، ويح نفسي .. أنا أحسَب العبادة تكليف ، وهذه الفتاة تريد أن تعبد الله حتى‏ بعد الحياة !  
 
الفجر الصادق في غرفة الهندسة ! 
تجسَّدتْ عظمة شخصيّة ميسون بإيمانها الراسخ بعدالة قضيّتها ، فكانت على‏ يقين مطلق بأن تلك الجراح هي منافذ للحرية ولحكم الحق .. بَيْدَ أن طبيعة الظروف لم تترك لها فُسحة زمنية لتُتَرجم أفكارها السياسية بشكلٍ مناسب .  
لقد تشرَّفت روحي وتكحّلت عيني برؤيتها عن قرب ، فلم أملك إلّا أن أسدلت جفوني مدهوشةً مِمّا رأت عيني وشاهد عقلي من توازنٍ في الخصال والجمال .. 
بل لم تلمحها سجينة من زينبيات القسم السياسي الرابع إلّا وانبهرت لهذا الفجر الصادق الذي حلَّ ضيفاً في غرفة الهندسة .. 
ولكن .. كيف وصلت ميسون الى‏ القسم الرابع ؟! 
مَن عاش تجربة الاعتقال يتذكّر جيداً أن مثل هذا الأمر قد حصل وتكرّر - وبتنسيق لايخلو من المجازفة - بين سجينات القسمين الثالث والرابع في سجن (الرشاد) فضلاً عن سجناء سياسيّة (أبو غريب) .. 
فأحياناً يتم - وبترتيب مُتفق عليه مُسبقاً - انتقال سجينة من القسم الثالث الى‏ الرابع وبالعكس ولضرورة قصوى‏ .. فحينما يتشّرف القسم بسجينة سياسية جديدة ، لن يتم تزكيتها وتبادل الثقة معها إلّا بعد أشهرٍ طويلة ومعرفةٍ دقيقة لأغلب تفاصيل قضيتها ، وأحياناً يحتاج الأمر الى‏ معاينة شخصيّة مباشرة من قِبَل الأخت التي تعرفها وذلك لرفع الحذر منها أو حجب الثقة عنها .. وهذا سبب وجيه للمجازفة والانتقال الى‏ القسم الآخر .. وهناك سبب آخر يدعو للانتقال ، يتعلق بوصول سجينة عزيزة أو قريبة لإحدى‏ الأخوات والتي بدورها تنتقل الى‏ قسمها لتقضي معها ليلة كاملة تبادلها الأسرار والأخبار ..  
بَيْد أن انتقال ميسون كان لهُ سَبب آخر يفوق تلك الأسباب أهمية ، يتعلّق بالعبادة الواجبة .. فهي بحاجة الى‏ الغُسل الواجب والاستحمام ، وقد سبق أن فاضت مجاري القسم الثالث ..  
- ظاهرة انسداد مجاري أقسام السجون والمعتقلات هي عقوبة مألوفة تتّبعها أغلب أنظمة الكفر ضد الإسلاميين ، فهي حرب من نوع آخر .. إنها حرب نفسيّة ، إنّهُ سلاح (النجاسات) الفعّال ! لان أشدَّ ما يؤذي السجين المؤمن في مجال عبادته ألّا يجد ما يتطهَّر به من الأدران والنجاسات .  
وهكذا انتقلت ميسون الى‏ القسم الرابع ، ولأن غُرفة الهندسة كانت بجوار (حمّامات) القسم ، تشرّفت غرفتنا بهذا الزائر الجليل وحظينا قبل غيرنا - ولو لدقائق معدودة - بهذا الضيف الجليل .. 
جاءت باتجاه غُرفتنا كضوء الفجر هادئة تمشي على‏ استحياء .. في البدء كنتُ أرقبها وأُخالسها النظر .. تُرى‏ هل هذهِ حوريّة أم أُنسيّة ؟!  
إعتصر الحزن روحي على‏ مصير هذه الفتاة التي كانت تبدو أ صغر من ربيعها التاسع عشر بكثير .. كُنّا نشعر أننا نكبرها بكثير رُغم أن الفارق لا يتجاوز بضع سنين ، ولكن وجهها الطفولي ونقاءَها وبراءتها يَجعل المرء يعتقد أنه أمام طفلة بريئة لاتستحق هذا المصير .. 
غير أن مَن يرى‏ رقّتها وشفّافية روحها لا تخطر ببالهِ جبال العزم والتحدي التي تكمن في صدرها .. تجدها بيننا بريئة صامتة كالطفل الودود ، لكن ما أن تتجاذب معها هموم الدين والوطن تكتشف أن هذه الروح الشفّافة تحمل بين طيّاتها قيماً شامخة شموخ منارات عراقنا الذهبية ومبادى‏ء راسخة رسوخ جباله الأبيّة .. 
فقراءَتها للأحداث السياسية وللصراع مع نظام بغداد كانت واعية عميقة .. أما حواراتها فكانت هادئة دقيقة تذكّرني بتلك الكُتب والمحاضرات التي كُنّا نشتريها في الخفاء ونطّلع عليها في السر .  
جمعتُ شتاتي وسألتها :  
- أُختي ميسون ؛ هل أنتِ خائفة من الموت ؟  
نظرتْ لي بابتسامةٍ شفّافةٍ حملت بين طيّاتها بعض الاستغراب وقالت :  
- الموت يا(...) يعني الشهادة ، يعني الحُلم الذي انتظرته طيلة تلك الشهور .. إنه يوم ميلادي بل هو يوم عُرسي .  
ثم تنهدتْ بنَفَسٍ طويلٍ وقالت :  
- صدّقيني أُختاه أني لم أكن أحلم بالفوز بالشهادة على‏ أيدي هؤلاء الأمويين بذاك الجُهد الضئيل !  
نعم ، تلك هي ميسون .. وهذه هي رؤيتي ، لقد رأيتها تُعالج روحها العطشى‏ بالجنة كما يُعالج الناس لهيب العطش بالماء ، بل رأيتها تستأنس بالشهادة إستئناس الطفل لمحالب أُمه .. كيف لا وقد حملت في جوانحها جَلال الهدف وسمو الغاية .  
أُحِبُّك يابديعَ الكون ياتسبيحةَ الزمنِ‏ 
وبي شوقٌ الى‏ مَرآكْ في الأحشاءِ يُحرقُني‏ 
أُحِبُّكَ ياصباح الروح ياأُنسي لدى‏ الشجنِ‏ 
* * * 
لأنَّكَ في دُروبِ العُمر بالحُسنى‏ تُرافقُني‏ 
وتسمعُ صوتِ ألواني وحين أزلّ تُدركُني‏ 
ولو ينسى‏ وجودي الناس تبقى‏ أنتَ تذكُرني‏ 
ويتركُني جميع الخلقِ لكن لستَ تتركُني‏ 
أُحِبُّكَ يومَ ترأفُ بي على‏ نعشي وفي كفني‏ 
* * * 
ويوم يُهيل فوقي الصحو نسياناً يُستِّرُني‏ 
أُحِبُّكَ مُدرِكاً أني على‏ سَوئي ستقبلُني‏ 
وتفتح بابكَ العلويَّ في جنانِ العدل والأملِ‏ 
أُحِبُّكَ ياصباح الروح ياتسبيحةَ الزمنِ .  
 
أ
بكيكِ فخراً .. لا حِداداً 
وبينما كانت ميسون تُبادلنا الحديث بعذبِ كلماتها وشهدِ روحها ما انفكّت أناملها تُلامس صورتين في يدها كانتا قد وصلتا من خلال مواجهات القسم الرابع وبطريقةٍ ما .. إحداهما صورتها وهي جالسة في حديقة منزلهم الكبير تضاهي زهورها بهجةً وجمالاً ، كانت مبتسمةً ترسم إشارة النصر بيدها اليمنى‏ .. 
أما الصورة الثانية فكانت لقدوتها وخطيبها حُسام .. أبدت بعض الممانعة والحياء في إظهارها ، بَيْدَ أن احدى‏ الأخوات سحبت الصورة من يدها بمزاحٍ جعلها تنكمش بلا مقاومة .. كان يرتدي صدريّته الناصعة البياض ، منحنياً على‏ أحد المرضى‏ ليفحصهُ بسمّاعةٍ طبيةٍ مُتدليةٍ من عُنقه .. ويبدو أن الصورة قد مرّت في (أبو غريب) لوجود كلماتٍ كُتبت حديثاً بخط حسام خلفها :  
أبكيك فخراً إن بكوك حِداداً 
وأذوب فيك محبّةً وودادا 
وأطوف في دُنيا الصبابة عاشقاً 
دقَّ الهوى‏ في قلبه أوتادا 
فدمي الى‏ دمك الشريف مُسافرٌ 
وخُطاي تسبقني إليك جيادا 
- من قصيدة (بكاء بلا دموع) للشاعر فراس الترابي .  
لقد بلغ في تقديره لايمانها واحترامه لجهادها حدّاً كبيراً ، فكان لها في قلبه مكان مقدّسٌ .. ولكن سبق السيف العذل ولاتَ حينَ مَناص ! فلقد عُرِّضَت للمخاطر وهي لم تزل غُصناً طريّاً .  
بينما بعض الأخوات يقرأن الأبيات ببكاءٍ هادى‏ءٍ ، كان البعض الآخر يتهامسن ويتلاطفن معها بذكر إسم خطيبها .. تورّدت وجنتا ميسون بحُمرة الخجل وبَدتْ كأنها شمس ما بعد الفجر ثم أطرقت مُبتعدة باتجاه الممر وقد طواها الحياء طيّاً .  
ولأن للقسم الرابع فُرصاً أكثر ، طلبت ميسون قلماً ، فهرولت إحدى‏ الأخوات لتوفير قلمٍ يتيمٍ كضيفتنا ، صغيرٍ كادحٍ لم يبق من عمرهِ إلّا القليل .. 
إلتقطته وكتبت خلف صورتها أبياتاً من الشعر كانت قد حفظتها ، لتُسلَّم فيما بعد الى‏ حُسام وعن طريق والدته التي تأتي كل شهر لتسليم المواجهة لابنتها (أنعام) ولتنقل أخبار (ميسون) لابنها حُسام :  
ياقلب لاتجزع إذا عَظَّكَ الأسى‏ 
فإنك بعد اليوم لن تتألما 
وياقدمي ماسُرت بي لمذلةٍ 
ولا ترتقي إلّا الى‏ العز سُلَّما 
فلاتبطئي سيراً الى‏ الموت واعلمي‏ 
بأن كريم القوم مَن مات مُكرما 
* * * 
ودّعتنا ميسون بتلك الابتسامة الملائكية الجذّابة .. ودّعتنا وتركت في غرفتنا مِسبحتها الحسينية المصنوعة باليد من التربة الكربلائية .. نستْها ، ولعلها تركتهإ؛ ذكرى‏ ، وأي ذكرى‏ !  
لم أتمالك نفسي ودموعي ، احتضنتها لأشم فيها عبير الزهراء والحوراء .. شممتها لتنتعش روحي بأريج عطرها ونقاء سريرتها .. 
ظلّت تلك الفتاة نموذجاً في ذاكرتي وقدوةً في ضميري .. خَلُدَت أحاديثها المتواضعة لذيذةً في فمي كعشاء الفقراء ، مُضيئةً في روحي كترانيم الانبياء .. 
فعند ميسون تتحرّر نفسك من كُلِّ القيود ، لتسبح في ملكوتٍ شفاف تسمو به روحك الى‏ السماء .. عند ميسون تصول وتجول عيناك الغارقتان بالدموع ، فتنقلك روحها لعالَمٍ متميز الأضواء لتعيش الاحساس العجيب بأريج جنّة الشهداء .  
 
منهج .. وبطلة 
تَتذكّر جميع الأخوات اللاتي كُنَّ معنا في منفى‏ (الرشاد) كيف كانت النفوس منشرحة لتآزرها وتآلفها والافكار منسجمة رُغم تنوّع مسمياتها ومشاربها ..  
فجميعنا تقريباً قد وصل (الرشاد) بدافع حبّه للعراق وللإسلام العزيز ، فالتُهم سياسية إسلامية ومواد محكمة الفرعون أدانت انتماءاتنا للحركة الإسلامية ، وكان قطب الرحى‏ للحركات الجهادية متمثلاً بتنظيمات حزب الدعوة الإسلامية ومن ثم بمنظمة العمل الإسلامية ، وكانت ساحات العراق الحمراء وطواميره السوداء قد شهدت لخُطوط وخلايا هذين التنظيمين بالتضحية والفداء .. 
نعم ، تشعّبت المناهج بَيْدَ أنهُ قد ائتلفت الغايات ، والطرق الى‏ الله بعدد أنفاس الخلائق .. فالوسائل متعدِّدة والغاية واحدة ولاهدف سوى‏ إسقاط عرش الطاغوت وتحكيم الإسلام في عراق المقدسات .. 
ويجب أن نعيش هذا الأمل في عقولنا وقلوبنا ليكون حُلُم الحاضر والمستقبل كما هو حال جميع التيارات الشيوعية والقومية والاشتراكية والليبرالية التي يدعو كُلٌّ منها لبناء دولته على‏ أرض عراق المقدسات !  
لذا فلابدَّ من الممارسة العملية في خط الإسلام ضد ضغط المناهج المنحرفة والافكار الدخيلة ، لانه ليس من الصواب في سوق العقلاء بذل المحاولات لإذلال النفاق وإسقاط دولته بدولة الإسلام بلا وسائل منظّمة أو مناهج مقرّرة «اللهمَّ إنّا نرغبُ إليكَ في دولةٍ كريمةٍ تُعزُّ بها الإسلام وأهله وتُذِلُ بها النفاق وأهله وتجعلُنا فيها من الدُعاة الى‏ طاعتكَ والقادة الى‏ سبيلكَ» .  
- من دعاء الافتتاح لبقيّة الله الإمام الحُجّة (عج). 
فالعراق ومقدّساته الإسلامية أمانة الله في أعناق كل الشرفاء المخلصين مهما تشعّبت مناهجهم واختلفت رؤاهم مادامت الغاية طرد هؤلاء العُتاة الذين جاءوا من شقوق الليل واحتلّوا العراق المُضي‏ء . 
ولأجل ذلك امتلأت المنافي والسجون في تلك السنين ، ومنها سجن الرشاد ، بخيرة رجال العراق ونسائهِ الصالحين .  
ولكن وبالرغم من كل هذا الوضوح في وعي المِحَنة ومتطلبات الضغط المرحلي ، نجد أحياناً مَن يحاول تفضيل انتمائه الساكن عن انتماءات - ليس بالضرورة أن تكون جميع الأخوات المؤمنات السجينات اللاتي وصلن سجن الرشاد مجاهدات بالمعنى‏ الميداني الدقيق .. فهناك قضايا (تجاوز حدود) مثلاً أو حالة حماس إسلامي وتفاعل جهادي لحظي أحياناً ، وهكذا .  
الآخرين ، وهذا الأمر نادراً ما يحصل في (الرشاد) فضلاً عن (أبو غريب) .. 
بل وتتذكّر الأخوات الزينبيات جيداً أننا نادراً ماكنّا نلتفت الى‏ هذا التداعي ، لقد بقينا سنيناً ولم يخطر ببال واحدةٍ منّا أن تسأل الأخرى‏ عن شرعية هذا الحزب أو تلك المنظمة !! فذاك أمر كان ومازال جديراً بالسخرية والاستخفاف. 
ولأن توضيح الواضحات من أشكل المشكلات ، فقد حصل ذات يوم شي‏ءٍ من هذا القبيل ! ومع مَن ؟ مع ميسون !! ياللعجب .. 
فقد وصل الى‏ مسامع بطلتنا الغالية (ميسون) أن إحدى‏ الأخوات في غرفة (النجف) تستفسر وبحُسن نيّة عن شرعيّة الانتماء - فضلاً عن العمل - الى‏ منظمة العمل الإسلامي التي انظوَت ميسون تحت لوائها ؟!  
بماذا تجيبها ميسون ؟ وكيف !  
ميسون التي تفاعلت مع كل المناهج والرؤى‏ الخيّرة ، والتي طالما ردّدت عبارتها الخالدة (أخواتي .. نحن بنات المحنة ، أهدافنا واحدة) ماذا ستقول ؟  
ميسون التي طالما كانت تتغنّى‏ بالإمام الخميني والشهيد الصدر والشهيد حسن الشيرازي وبالآخرين من شهداء وأبطال الإسلام ، والتي كان شعارها الوحيد «مَن قاتل لتكون كلمة الله هي العُليا فهو في سبيل الله» بماذا تجيب ؟! 
حديث شريف للرسول الأكرم ص .  
أتُجيبها بأن إسلاميّي العمل والجهاد الذين طالما أرّقوا أزلام أمن الفرعون بعملياتهم النوعية وزعزعوا كيانهُ ببطولاتهم الاستشهادية قد كتبوا على‏ - كعملية (عاشوراء) في كربلاء عام 1979م التي نفذها الاستشهادي البطل طالب العليلي ، وعملية (المستنصرية) في بغداد عام 1980م التي نفذها الاستشهادي سمير نور علي ، وعملية (الوزيرية) عام 1980م التي نفذها الاستشهادي (أبو خالد) ، وعملية (السفارة البريطانية) في الصالحية ببغداد عام 1980م التي نفذها الاستشهادي عبدالوهاب عبدالرزاق ورفاقه ، وعملية السفارة العراقية في روما عام 1980م التي نفذها الاستشهادي مظفر بكر ورفيقه ، وعملية تفجير مخازن كركوك التي نفذها الشهيد أبو محمد الموسوي ، وعملية مديرية (الأمن) العامة ببغداد عام 1983م التي نفذها الاستشهادي إبراهيم سلمان ، وعملية (دار الحرية للطباعة) ببغداد عام 1982م التي نفذها أحد أبطال المنظمة ، وعملية تفجير مقر (الجيش الشعبي) في الزعفرانية ببغداد عام 1984م التي نفذها مجموعة الفقيد فلاح عبدالكريم القباني .  
جباهِهم «مَن ترك الجهاد ألبسهُ الله ذُلّاً في نفسه وفقراً في معيشته ومحقاً في دينه» .. 
- بل أ نُجيبها نحن الذين كان لنا شرف الانتماء لتنظيمات حزب الدعوة الإسلامية ، ان هذا الشموخ البطولي والرسوخ العقائدي وذاك الاستعداد الذي لانظير له للتضحية بالغالي والنفيس والذي تمثّل في (ميسون) لم يأتِ من فراغ ، بل هو نتاج منهجٍ جهاديٍّ استشهاديٍّ واعٍ لهُ إرثهُ وتراثه.

أ نُخبرها أن (ميساء) ليست الأولى‏ ولا الأخيرة في سجلِّ الزينبيات ، فقد سبقتها العديد من الشهيدات أمثال ؛ فائقة صدقي وفاطمة الكبابي ورضيّة الكبابي وأم محمد وسُميّة (أمُ حيدر)

إشترك في خلاصة التعليقات تعليقات (6 منشور)

avatar
حسين محمد هاشم مطلوب 17/09/2011 16:31:38
شهدائنا كرمتنا شهدائنا عزنا شهدائنا سر وجودنا رحم الله العم الحبيب المجاهد البطل ورحم جميع شهداء الاسلام......
اللهم اشهد انهم السابقون ونحن اللاحقون ان شاء الله
avatar
ام محمد 12/02/2011 10:44:48
رحم الله جميع الشهداء واود ان ابين ان الكاتب فاته اي يكتب اسم شقيقي حسن خضر محمد حسن وتوت رحمه الله الذي اعدمه النظام البائد سنة 1983 وهو من خيرة شباب النجف
avatar
عودة الصافي 16/01/2011 02:50:33
شكرا للاخ كاتب القصة المريرة وشكرا للاخ صاحب الموقع المحترم والسلام على الشهيدة المظلومة ميسون وعلى جميع الشهداء الابطال الذين طرزوا بدمائهم تاريخ العراق وياحبذا ان تستمر هذة القصص المؤلمة الخالدة
avatar
ام محمد رضا 10/01/2011 17:36:04
شكرا للاخ كاتب القصة يبدو انه بذل جهدا عظيما في ايصال جزء من معاناةهؤلاء الشباب الابطال الى الناس فجزاك الله خير الجزاء (فمثل كلمة طيبة كشجرة طيبة اصلها ثابت وفرعها في السماء)
اكرام حميد
avatar
رائد التميمي 09/01/2011 14:15:18
الى ملائكة السماء هنيئا لك بمقاربة الصالحين والعابدين والعابدات انتم في الجنة ...........ياليت لنا الان في واقعنا ....من يكون مثلكم
avatar
رائد التميمي 09/01/2011 14:15:14
الى ملائكة السماء هنيئا لك بمقاربة الصالحين والعابدين والعابدات انتم في الجنة ...........ياليت لنا الان في واقعنا ....من يكون مثلكم
المجموع: 6 | عرض: 1 - 6

إكتب تعليق

  • عريض
  • مائل
  • خط بالأسفل
  • إقتباس
  • إرسل إلى صديق إرسل إلى صديق
  • نسخة صالحة للطباعة نسخة صالحة للطباعة
  • نسخة نصية نسخة نصية

كلماته الدلالية:

لا توجد كلمات دلالية لهذا المقال

قيّم هذا المقال

0